الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

158

تفسير روح البيان

وكان ذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى ان يدعو اللّه ليبين لهم بدعائه فامرهم اللّه ان يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فيحيى فيخبرهم بقاتله قالُوا كأنه قيل فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أو لا فقيل قالوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً اى أتجعلنا مكان هزء وسخرية وتستهزئ بنا نسألك عن امر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة ولا جامع بينهما قال بعض العلماء كان ذلك هفوة منهم وجهالة فما انقادوا للطاعة وذبحها قالَ موسى وهو استئناف كما سبق أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ لان الهزؤ في أثناء تبليغ امر اللّه جهل وسفه ودل ان الاستهزاء بأمر الدين كبيرة وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه وان ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء * قال أمير المؤمنين على رضى اللّه تعالى عنه لا بأس بفكاهة يخرج بها الإنسان من حد العبوس * روى أنه قدم رجل إلى عبيد اللّه بن الحسين وهو قاضى الكوفة فمازحه عبيد اللّه فقال جبتك هذه من صوف نعجة أو من صوف كبش فقال أتجهل أيها القاضي فقال له عبيد اللّه واين وجدت المزاح جهلا فتلا هذه الآية فاعرض عنه عبيد اللّه لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء ثم إن القوم علموا ان ذبح البقرة عزم من اللّه وجد فاستوصفوها كما يأتي ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم وكانت تحته حكمة * والقصة انه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة اتى بها إلى غيضة وقال اللهم إني استودعك هذه العجلة لابني حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عوانا اى نصفا بين المسنة والشابة وكانت تهرب من كل من رأها فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث يصلى ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمه ثلثا فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء اللّه ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى والدته ثلاثة فقالت له أمه يوما ان أباك قد ورثك عجلة استودعها اللّه في غيضة كذا فانطلق وادع آله إبراهيم وإسماعيل واسحق ان يردها عليك وعلامتها انك إذا نظرت إليها يخيل إليك ان شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تلك البقرة تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها لان صفرتها كانت صفرة زين لا صفرة شين فاتى الفتى الغيضة فرأها ترعى فصاح بها وقال اعزم عليك باله إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة بإذن اللّه وقالت أيها الفتى البار لوالدته اركبنى فان ذلك أهون عليك فقال الفتى ان أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت خذ بعنقها فقالت البقرة بآله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر على ابدا فانطلق فإنك ان أمرت الجبل ان ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له انك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة قال بكم أبيعها قالت بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتى وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها إلى السوق فبعث اللّه ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بأمه وكان اللّه به خبيرا فقال له الملك بكم تبيع هذه البقرة قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضى والدتي فقال الملك لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى